الشيخ محمد رشيد رضا
634
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ما ثبت في كتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم على الوجه المتقدم ، وأما السنن والارشادات النبوية في أمور العادات كاللباس والطعام والشراب والنوم فلم يعدها أحد من السلف ولا علماء الخلف من أمور الدين فتسمية شيء منها دينا بدعة منكرة لأنه تشريع لم يأذن به تعالى . وقد فصلنا هذه المسألة من قبل في هذا التفسير وفي غيره من مقالات المنار وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ هذا تنبيه لامرين عظيمين أمرنا اللّه أن نعلمهما علما يقينا إذعانيا لما لهما من الشأن في مقام الوصية بالاستجابة لدعوة الحياة الانسانية العليا التي فيها سعادة الدنيا والآخرة ، ( الأول ) ان من سنة اللّه في البشر الحيلولة بين المرء وبين قلبه ، الذي هو مركز الوجدان والادراك ذي السلطان على ارادته وعمله ، وهذا أخوف ما يخافه المتقي على نفسه ، إذا غفل عنها وفرط في جنب ربه ، كما أنه أرجى ما يرجوه المسرف عليها إذا لم ييأس من روح اللّه فيها ، فهذه الجملة أعجب جمل القرآن ولعلها أبلغها في التعبير ، وأجمعها لحقائق علم النفس البشرية ، وعلم الصفات الربانية ، وعلم التربية الدينية ، التي تعرف دقائقها بما تثمره من الخوف والرجاء ، فبينا زيد يسير على سبيل الهدى ، ويتقي بنيات طرق الضلالة الموصلة إلى مهاوي الردى ، إذا بقلبه قد تقلب بعصوف هوى جديد ، يميل به عن الصراط المستقيم ، من شبهة تزعزع الاعتقاد ، أو شهوة يغلب بها الغي على الرشاد ، فيطيع هواه ، ويتخذه إلهه من دون اللّه ، ( أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ؟ ) على أنه فيه مختار ، فلا جبر ولا اضطرار . ويقابل هذا من الحيلولة ما حكى بعضهم عن نفسه ، انه كان منهمكا في شهواته ولهوه ، تاركا لهداه وطاعة ربه ، فنزل يوما في زورق مع خلان له في نهر دجلة للتنزه ومعهم النبيذ والمعازف ، فبيناهم يعزفون ويشربون ، إذا التقوا بزورق آخر فيه تال للقرآن يرتل سورة ( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) فوقعت تلاوته من نفسه موقع التأثير والعظة ، فاستمع له وأنصت ، حتى إذا بلغ قوله تعالى ( وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ) امتلأ قلبه خشية من اللّه ، وتدبرا لاطلاعه على صحيفة عمله يوم يلقاه ، فاخذ العود من العازف